عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
285
اللباب في علوم الكتاب
المفسّرين أنّ الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم ، وإنما اختلفوا هل كان رجوعهم بعد مجاوزة النهر أو قبله ؟ والصّحيح : أنّهم لم يجاوزوا النّهر ، وإنّما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى : « فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » . قال ابن عبّاس والسّدّيّ : كان المخالفون أهل شكّ ، ونفاق ، فقالوا : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » فانحرفوا ، ولم يجاوزوا النّهر « 1 » . وقال آخرون : بل جاوزوا النّهر ، وإنما كان رجوعهم بعد المجاوزة ، ومعرفتهم بجالوت ، وجنوده ؛ لقولهم « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » . قوله : « قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً » وهذا يدلّ على أنّهم حين لاقوا العدوّ ، وعاينوا كثرتهم انقسموا فرقتين إحداهما : رجعت وهي المخالفة ، وبقيت المطيعة . قوله : « جاوَزَهُ هُوَ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا » « هو » ضمير مرفوع منفصل مؤكّد للضّمير المستكنّ في « جاوز » . قوله : « والّذين » يحتمل وجهين : أظهرهما : أنه عطف على الضّمير المستكنّ في « جاوز » لوجود الشّرط ، وهو توكيد المعطوف عليه بالضّمير المنفصل . والثاني : أن تكون الواو للحال ، قالوا : ويلزم من الحال أن يكونوا جاوزوا معه ، وهذا القائل يجعل « الّذين » مبتدأ ، والخبر قالوا : « لا طاقة » ؛ فصار المعنى : « فلمّا جاوزه ، والحال أنّ الّذين آمنوا قالوا هذه المقالة » ، والمعنى ليس عليه . ويجوز إدغام هاء « جاوزه » في هاء « هو » ، ولا يعتدّ بفصل صلة الهاء ؛ لأنها ضعيفة ، وإن كان بعضهم استضعف الإدغام ، قال : « إلّا أن تختلس الهاء » ، يعني : فلا يبقى فاصل . وهي قراءة أبي عمرو « 2 » ، وأدغم أيضا واو « هو » في واو العطف بخلاف عنه ، فوجه الإدغام ظاهر لالتقاء مثلين بشروطهما . ومن أظهر وهو ابن مجاهد ، وأصحابه قال : « لأنّ الواو إذا أدغمت سكنت ، وإذا سكنت صدق عليها أنها واو ساكنة قبلها ضمّة ، فصارت نظير : آمَنُوا وَكانُوا [ يونس : 63 ] فكما لا يدغم ذاك لا يدغم هذا . وهذه العلّة فاسدة لوجهين : أحدهما : أنها ما صارت مثل « آمنوا ، وكانوا » إلا بعد الإدغام ، فكيف يقال ذلك ؟
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 350 ) عن ابن عباس . ( 2 ) انظر : الإدغام الكبير 50 ، 94 ، وإتحاف فضلاء البشر 1 / 446 ، والبحر المحيط 2 / 276 ، والدر المصون 1 / 606 .